محمد أبو زهرة
1802
زهرة التفاسير
يعيش بين المؤمنين ، وفريق يعيش في دولة أخرى بينها وبين المسلمين عهد ، فأما الفريق الأول فهم الذين لهم ذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده ، وهذا أقوى عهد موثق ومؤكد ، وبمقتضى حكم الإسلام لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين ، ويسمون ذميين . ولقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : « من آذى ذميا فأنا خصمه يوم القيامة ، ومن خاصمته خصمته » « 1 » ! ولقد كان الراشدون رضي الله عنهم يعنون بأمرهم ، ويقيمون العدالة فيهم . وأما الفريق الثاني فإنهم أقوام لهم دولة قائمة ، وبينهم وبين المسلمين عهد موثق بعدم الاعتداء وإقامة السلم فيما بينهم وبين المسلمين ، وقد يكون بينهم وبين المسلمين حلف على التناصر إذا حصل اعتداء . وهنا إشارة بيانية تؤكد حرص الشرع على دفع الدية لأهل المقتول ولو كانوا غير مسلمين ، وهي تقديم الدية على الكفارة ؛ لأنها نفيت في حال القاتل الذي ينتمى إلى الأعداء ، فكان لا بد من توكيدها حتى لا يتردد القاتل في دفعها إلى غير المسلمين ، إن كان بينهم وبين المسلمين ميثاق بمنع الاعتداء . وقد قال بعض العلماء . إن الدية ذكرت منكرة ولم تذكر معرفة ، فلم يقل تعالت كلماته : الدية تسلم لأهله ؛ وهي قد ذكرت منكرة في الحالين اللتين وجبت فيهما ، واستنبط من هذا أنها لو ذكرت معرفة لكان تقدير النبي صلى الله عليه وسلم بيانا لمعناها في القرآن ، وما جاز تقديرها بغير تقديره ، ولا الاتفاق على غيرها . ونحن نؤيد هذا الاستنباط بشرط ألا يكون تفاوت في تقدير الدية من حيث الجنس أو اللون ، أو القوة والضعف ، أو العلم والجهل ، أو التحضر والتبدى ، فإن هذا شأن الجاهلية ، ولا يقره الإسلام ، ولا يصح أن يترك الأمر ليستغل القوى ضعف الضعيف . وهنا يجب أن نذكر فرعين : أحدهما - إذا قتل المؤمن ذميا أو معاهدا غير مسلم ، فهل تجب الدية والكفارة ؟ والجواب عن ذلك أن الدية واجبة الأداء باتفاق
--> ( 1 ) رواه الخطيب عن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعا كما في الفتح الكبير : ج 6 ، ص 481 برقم ( 20038 ) .